حسن حنفي
418
من العقيدة إلى الثورة
صفات حسنة في ذاتها « 53 » . وقد سمى الحكيم حكيما لاتصافه بالفضائل واجتنابه الرذائل . ولو تشبه الحاكم بالله وأخذ مكانه وتخفى وراءه وحكم باسمه ونفذ ارادته وكان خليفته كما هو الحال في مجتمعاتنا المعاصرة فتضيع الحقائق ، وتخضع لإرادات الحكام وقرارات الرؤساء . فالحسن ما يقرره الحاكم والناس وراءه ، والقبيح ما ينهى عنه الحاكم والمنظرون يؤولون ويبررون « 54 » . ونظرا لغياب الصفات الموضوعية للأفعال فقد يصبح الشيء حسنا وقبيحا في الوقت نفسه ، يؤمر به البعض وينهى عنه آخرون ، وبالتالي تبطل العلل والصفات ، وينتهى الحوار والاجماع ، ولا يتبقى الا صراع الإرادات المتنافرة والقوى المتصارعة ، فنعيش في عالم القوة وليس في عالم العقل . ويهدم الشرع إذ يمكن حينئذ أن يقوم على الجمع بين الصفات المتناقضة ، وأن يكون هذا الفعل حسنا وذاك الفعل قبيحا بالرغم من اشتراكهما في الصفات نفسها أو أن يكون هذا الفعل حسنا وذاك الفعل الآخر حسنا أو هذا الفعل قبيحا وذلك الفعل الآخر قبيحا بالرغم من اختلافهما في الصفات . وإذا استحال ادراك صفات الأشياء ومعانيها فإنه يستحيل الاستدلال منها على الصانع . وان وجود شيء ليس بذى دلالة حاضرة لا يعنى أنه خال من الدلالة في المستقبل . فكل ما في هذا العالم للاعتبار ، في كل شيء آية ، ولكل شيء معنى ، ولا شيء بدون معنى والا كنا في عام العبث واللامعقول « 55 » . فإن كان في انكار صفات الافعال الذاتية قضاء على العقل وهدم للشرع فان فيه أيضا هدما للحرية لما كان الفعل اتفاقا مع الامر دون الإرادة ، وبالتالي يكون
--> ( 53 ) الغاية ص 239 ، الفصل ج 3 ص 85 - 86 . ( 54 ) فلو كان كذلك لوجب إذا أمر أحدنا بالظلم والكذب أن يكون حسنا ، وإذا نهى عن العدل والإنصاف أن يكون قبيحا وألا يفترق الحال بين أن يكون من قبلنا وبين أن يكون من قبل الله لان العلل في ايجابها الحكم لا تختلف بحسب اختلاف العاملين ، الشرح ص 311 - 312 . ( 55 ) ومن عجائبهم أن الله لم يخلق شيئا لا يعتبر به أحد من المكلفين ، فنقول لهم ما دليلكم على هذا ؟ وقد علمنا بضرورة الحسن أن لله في قعور البحار وأعماق الأرض أشياء كثيرة لم يرها انسان قط ، الفصل ج 3 ص 92 .